الشريف المرتضى

213

تفسير الشريف المرتضى ( نفائس التأويل )

الملحدة والبراهمة واليهود إلى صدقهم ، وإن اضطرّوا إلى العلم بما يخبرون به من البلدان وما أشبهها . ودليلهم على الشرط الثالث أنّه لو لم يكن ذلك معتبرا ، لجاز أن يكون في الناس من يخبره الجماعة الكثيرة عن مشاهدة ولا يعلم مخبرهم ، وتجويز ذلك يقتضي أن يصدّق من خبّرنا عن نفسه بأنّه لا يعلم أن في الدنيا بلدا يعرف بمصر وما جرى مجراها . [ شبهة البلخي والجواب عنها ] وأمّا البلخي فإنّه يتعلّق في نصرة مذهبه بأن يقول : لا يجوز أن يقع العلم الضروريّ بما ليس بمدرك ، ومخبر الإخبار عن البلدان أمر غائب عن إدراك من لم يشاهد ذلك ، فلا يجوز أن يكون ضروريّا ؛ لأنه لو جاز أن يكون العلم بالغائب عن الحواسّ ضروريّا ، جاز أن يكون العلم بالمحسوس مستدلّا عليه . وربما تعلّق في ذلك بأنّ العلم بمخبر الأخبار إنّما يحصل بعد تأمّل أحوال المخبرين بها وصفاتهم ، فدلّ ذلك على أنّه مكتسب . فيقال له في شبهته الأولى : لم زعمت أنّ العلم بالغائب عن الحسّ لا يكون ضروريّا ؟ ! أوليس اللّه تعالى قادرا على فعل العلم بالغائب عن الحسّ مع غيبته ؟ ! فما المنكر من أن يفعله بمجرى العادة عند إخبار جماعة مخصوصة ؟ ! وليس له أن يدعي أن ذلك ليس في مقدوره ، كما يقول : إنّ العلم بذاته لا يوصف بالقدرة عليه ؛ لأنّه يذهب إلى أنّ العلم بالمدركات قد يكون من فعل اللّه تعالى على بعض الوجوه ، وليس يفعل العلم بذلك إلّا وهو في مقدوره ، وليس كذلك على مذهبه العلم بذاته تعالى ؛ لأنّه لا يصحّ وقوعه منه على وجه من الوجوه . وعلى هذا أي فرق بين أن يفعل العلم بالمدرك عند إدراكه ، وبين أن يفعل هذا العلم بعينه عند بعض الأخبار عنه ؟ ! وإنّما لم يجز أن يكون المشاهد مستدلّا عليه ؛ لأنّه